قبل أكثر من قرن، قام الطبيب ويليام ب. كولي بحقن مرضى السرطان بسموم بكتيرية في محاولة جريئة لتقليص الأورام، واضعًا بذلك الأساس لما نعرفه اليوم بالعلاج المناعي. والآن، قد يكون العلماء في اليابان قد خطوا خطوة أبعد من رؤيته؛ إذ نجحوا في استهداف السرطان لدى الفئران دون الاعتماد على الجهاز المناعي إطلاقًا. فقد أظهرت تقنية علاجية بكتيرية مُهندَسة حديثًا قدرتها على العمل بشكل مستقل عن المناعة، ما أدى إلى شفاء كامل للأورام في فئران ذات جهاز مناعي سليم وأخرى مثبطة المناعة.
لقد أحدثت العلاجات المناعية مثل خلايا CAR-T ومثبطات نقاط التفتيش ثورة في رعاية مرضى السرطان، لكنها تعتمد على جهاز مناعي فعّال. وهذه مشكلة كبيرة لمرضى يخضعون للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي، إذ غالبًا ما يكونون مثبطي المناعة.
الباحثون من معهد اليابان المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (JAIST)، وشركة داييتشي سانكيو، وجامعة تسوكوبا طوروا اتحادًا بكتيريًا أطلقوا عليه اسم AUN، وأظهر فعالية قوية ضد الأورام في نماذج الفئران، بما في ذلك تلك التي تفتقر إلى الخلايا المناعية الوظيفية. نتائجهم التي نُشرت في مجلة Nature Biomedical Engineering تحت عنوان:
"البكتيريا الحالّة للأورام المقيمة داخلها تُطلق تأثيرات قوية مضادة للسرطان من خلال التجلط الانتقائي والنخر داخل الورم"، تشير إلى استراتيجية واعدة خالية من الأدوية لعلاج السرطان قد تفيد المرضى المثبطي المناعة.
يتكون علاج AUN من نوعين من البكتيريا الطبيعية:
Proteus mirabilis (المسمى A-gyo): بكتيريا تعيش في الأورام، ضعيفة الحركة وغير ممرضة.
Rhodopseudomonas palustris (المسمى UN-gyo): بكتيريا ضوئية تساعد على تعزيز خصوصية وأمان A-gyo.
يُعطى العلاج عن طريق الحقن الوريدي بنسبة دقيقة تبلغ 3:97 (A-gyo:UN-gyo)، حيث يتراكم الثنائي البكتيري داخل الورم، ويُحدث تجلطًا انتقائيًا في الأوعية الدموية، وانهيارًا وعائيًا، وتجمعًا صفيحيًا، ونخرًا واسعًا للورم—كل ذلك دون أن يسبب سمية جهازية أو متلازمة إطلاق السيتوكينات. وقد اختُبر العلاج في نماذج مختلفة من السرطان، بما في ذلك سرطان القولون والمستقيم، الساركوما، سرطان الرئة النقيلي، وسرطان الثدي الثلاثي السلبي المقاوم للأدوية.
اللافت أن الفئران المثبطة المناعة أظهرت نسبة عالية من الاستجابة الكاملة بعد جرعة مزدوجة من AUN، حتى ضد الطعوم السرطانية البشرية. وجاء في الدراسة:
"أظهرت النتائج أن كُريات الورم تحللت تدريجيًا بعد حضنها مع AUN، مما أدى إلى تكوين غشاء حيوي كثيف من AUN داخل الكُريات السرطانية وخارجها. ونعتقد أن تدمير هذه الكُريات نتج عن إفراز AUN لمجموعة من السموم الخلوية."
وأضاف الباحثون:
"هذا التآزر الطبيعي بين البكتيريا—دون أي تعديل وراثي—يوفر استراتيجية ذاتية التنظيم وقابلة للتحكم لاستهداف الورم بأمان."
ما يجعل AUN واعدًا بشكل خاص هو قابليته للتحكم، لكن الباحثين أشاروا إلى التحديات:
"على الرغم من القدرة العالية على السيطرة على AUN باستخدام المضادات الحيوية، إلا أن هناك مخاوف مثل احتمالية مقاومة الأدوية ومخاطر العدوى المرتبطة باستخدام بكتيريا حية، وهي أمور تتطلب دراسة دقيقة وحلولًا مناسبة. ورغم أن النتائج الأولية مشجعة، فإنها تحتاج إلى المزيد من البحث لفهم وتأكيد المخاطر المتعلقة بالسمية والفعالية."
ورغم أن فكرة استخدام البكتيريا لعلاج السرطان ليست جديدة—فهي تعود إلى "سموم كولي"—فإن الأساليب الحديثة ركزت بشكل أساسي على السلالات المُهندَسة أو الآليات المعتمدة على المناعة. هذه الدراسة فتحت آفاقًا جديدة بإثبات أن البكتيريا وحدها، دون مساعدة من المناعة، يمكنها القضاء على الأورام من خلال إحداث انهيار وعائي موضعي وتأثيرات سامة مباشرة.
الفريق البحثي يستعد الآن لتأسيس شركة ناشئة على أمل بدء التجارب السريرية في غضون ست سنوات.
وقال المؤلف الرئيسي الدكتور إيجيـرو مياكو، أستاذ في JAIST:
"فصل جديد في علاج السرطان بالبكتيريا—الذي سعى إليه العلماء منذ أكثر من 150 عامًا—يبدأ أخيرًا."
إذا نجح العلاج في البشر، فقد يمثل تحولًا جذريًا في علاج السرطان، يفتح الباب أمام استراتيجيات فعّالة للمرضى الذين تخلّفت أجهزتهم المناعية عن الركب.
لا تعليق